فخر الدين الرازي
214
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والتبدل ، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى للَّه تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه ، وعلى هذا تأولوا قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] وهذا قول القفال رحمه اللَّه . القول الثالث : أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى : يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ [ النحل : 48 ] وهو قول مجاهد . وأما قوله : كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ فقال ابن عباس في رواية عطاء ( وكثير من الناس ) يوحده ( وكثير حق عليه العذاب ) ممن لا يوحده ، وروى عنه أيضا أنه قال ( وكثير من الناس ) في الجنة . وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله : وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مبتدأ وخبره محذوف ، وقال آخرون : الوقف على قوله : وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ثم استأنف فقال : وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود . وأما قوله تعالى : وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرما لهم « 1 » ، ثم بين بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب ، واللَّه أعلم . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 19 إلى 24 ] هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( 20 ) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ( 21 ) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 22 ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 23 ) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ ( 24 ) القراءة : روي عن الكسائي خصمان بكسر الخاء ، وقرئ قطعت بالتخفيف كان اللَّه يقدر « 2 » لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة ، قرأ الأعمش : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ردوا فيها الحسن يصهر بتشديد الهاء للمبالغة ، وقرئ وَلُؤْلُؤاً بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤا كقوله وحورا عينا ولؤلؤا بقلب الهمزة الثانية واوا ، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد للَّه ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله : هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا ، والجواب : الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل : هذان فوجان أو فريقان يختصمان ، فقوله : هذانِ للفظ واختصموا للمعنى كقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا [ محمد : 16 ] .
--> ( 1 ) في الأصل الأميري : فيكون مكرما ما لهم بتكرار لفظ ما . ( 2 ) هكذا في الأصل الأميري ولعل صواب العبارة هكذا ( كأن يقدر اللَّه لهم نيرانا ) .